عبدالله السعدي
العلمانية بين الشرق والغرب

العلمانية بين الشرق والغرب

أثارت استغرابي ردود الأفعال المؤيدة والمعارضة لتصريح السفير الإماراتي بواشنطن العتيبة عن فيما يخص تطبيق العلمانية Secularism في دول الخليج في العشر سنوات القادمة. لم تشد إنتباهي الكلمة ولا تصريح العتيبة كثيراً مثلما شد انتباهي التفاعل حول هذا الأمر كلن بأهدافه وأغراضه سواءاً السياسية أو الأيدلولوجية. قادني هذا التفاعل المثير إلى الرجوع بالوقت قليلاً لتذكر بعض الدردشات والنقاشات التي كانت تحصل بيني وبين بعض الزملاء والأصدقاء حول هذا الأمر وكيف أن مثل هذه الأفكار استطاعت السيطرة على عقول ووجدان البعض منا. الجميل الذي لمسته في الأمر أن كل (أو أغلب) من تحدثت معه عن هذا الموضوع سواءاً مؤيد أو معارض يريد التقدم والحضارة والرقي الدنيوي كدولة وأمة فمنهم من يرى تحقيق ذلك في تطبيق الإسلام وتعاليمه وشعائره بمفهومه ومنهم من يرى أنه لا يمكن الوصول للتقدم والحضارة إلا من خلال تطبيق العلمانية ومفاهيمها والخلاصة أن اثنيهما يعيشان الوهم.

الحقيقية هي أن ما يدفع الأمم والشعوب إلى الرقي والتقدم والحضارة لا هذا ولا ذاك وإنما الإرادة السياسية الحقيقة الصادقة التي لا يشوبها طمع ولا جشع ولا فساد والشعب الذي تمتلئ روحه قوة ورغبة بالتعلم والعمل والبناء. فلو تأملنا الواقع والتاريخ الحديث لأدركنا هذه الحقيقة فدعونا نأخذ بعض الأمثلة. الدولة العثمانية حققت تقدماً كبيراً عالمياً في العلوم والقوة العسكرية وهي تعتبر دولة إسلامية وتطبق تعاليم الإسلام وشعائرة في مجملها والشعب يحملون صبغة دينية إسلامية واضحة المعالم، لماذا؟ إنها الإرادة السياسية. سقطت تلك الدولة وولدت تركيا الحديثة ومنذ ولادتها إتخذت العلمانية منهجاً للدولة في السبعين او الثمانين سنة الماضية ولكنها انحدرت وتخلفت تخلفاً شديداً حتى أصبحت في أسوأ حالاتها في جميع المجالات. الآن – نفس الدولة تركيا- تحسن وضعها كثيراً وبشكل ملحوظ جداً في التقدم والصناعة والأقتصاد وهي لازالت تطبق نفس مبادئ العلمانية الأولى ولم تبتعد عنها كثيراً، لماذا؟ إنها الإرادة السياسية. . الدول العربية في العصر الحديث تبنت العلمانية بحدة بل أن بعضها حارب مظاهر التدين ومع ذلك تعتبر من أكثر دول العالم تخلفاً مع وجود عوامل تستطيع مساعدتها للنهوض، لماذا؟ إنها الإرادة السياسية. أمريكا وأوروبا تصدروا وحكموا العالم وهم دول علمانية وليبرالية، لماذا؟ إنها الإرادة السياسية. أيضاً، دول الخليج والمملكة العربية السعودية بشكل خاص تبنت الإسلام كدستور وتملك مقومات إقتصادية وإجتماعية قوية جداً ولكنها لم تحقق تقدماً حضارياً وتنموياً ملحوظاً بالرغم من القدرات والإمكانات التي تتمتع بها. نستخلص من هذه الحقائق أن التقدم وبناء الحضارة له طريق واضح لايستأثر به إسلام ولا تعيقه علمانية وإنما تدعوا له الطبيعة البشرية الفطرية النقية.

أما مايخص تطبيق العلمانية في دول الخليج فإني أعتقد أنه يستحيل وذلك لعدة أسباب منها ماهو سياسي ومنها ماهو اجتماعي وديني. أولاً هذه الدول تعتبر دول ملكية أميرية ذات سلطة مطلقة يتمتع الحاكم فيه بكافة الصلاحيات ولايمكن عملياً محاسبته وهذا من نواقض العلمانية. ثانياً، شعوب تلك الدول هي شعوب مسلمة وحكامها يأتون بشرعية دينية إسلامية فلايمكن تغيير ذلك بأي حال من الأحوال بتركيبتها وظروفها الحالية وأيضاً لايمكن بأي حال أن يُسمح لحاكم من ديانة أخرى أن يحكم أو حتى يرشح للحكم أو حتى مجرد أن ينص نظام ودستور البلد على أحقيته في الترشح للحكم وهذا بالطبع يعتبر ناقض لفكرة العلمانية وهي ان لا اعتبار للدين في الدولة والحكم. ثالثاً، كيف للسعودية أن تكون علمانية وهي تحوي مكة والمدينة؟ كيف سيتم فصل التنظيم الديني لهاتين المدينتين في دولة تفصل الدين عن الدولة كلياً؟ لايمكن لهذا أن يحدث أبداً. رابعاً سقف الحريات لدينا في دول الخليج منخفض جداً فكيف لهذه الدول أن تكون علمانية وهي قد تحكم بالسجن على شخص بسبب رأي أو مقال أو حتى تغريدة لا تتجاوز ١٤٠ حرفا وهذا يعتبر مخالفة لأساسيات العلمانية.

لكن ما قد يطبق في دولنا بشكلها الحالي هي الليبرالية الهجينة التي تخلط تركيبة ايدلولوجية وتشريعية وتنظيمية مكونة من الليبرالية الغربية الحديثة والتعاليم الإسلامية ورغبات الحاكم أو الحزب الحاكم. في هذا الخلطة سيتم السماح لليبرالية الغربية كمكون أول بالسيطرة فيما يخص الحريات الشخصية والإجتماعية  كالمعتقدات، والسلوكيات، والمظاهر، والتشريعات في العلاقات كالزواج والصداقات وغيرها. المكون الثاني سيكون من خلال التمسك ببعض التعاليم الدينية الإسلامية فيما يخص الحكم والحاكم كطاعة ولي الأمر والبيعة لإضفاء شرعية سياسية لهم. المكون الثالث سيكون فرض القيود والرقابات الصارمة على الحريات السياسية التي قد تنازع الحاكم في حكمه أو في صلاحياته.

بإعتقادي الشخصي، تطبيق هذا النمط الهجيني في بلادنا قد يكون محتمل ولكنه سيكون كارثي لإن مدخلات معادلة تحقيق التقدم والحضارة والإزدهار خاطئة وهذا سيؤدي بالتاكيد إلى مخرجات خاطئة. وبالمقارنة، هذا في نظري قريب جداً من المنهج التي طبقته الدول العربية الأخرى بعد خروجها من الإستعمار وهذا قد يكون سبب التراجع والتخلف الحضاري الذي يعيشونه الآن.

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع

‎القائمة الجانبية المتحركة

من أنا

من أنا

عبدالله السعدي متخصص بالتقنية واستثماراتها وريادة الأعمال مهتم بالتجارة الذكية والتسويق والإقتصاد الجديد. يخصص بعض الوقت للتطوع لخدمة المجتمع والاعلام . كاتب في صحيفة سبق.

تغريدات